فصل: الباب السابع عشر في ذكر المغفلين من الأعراب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أخبار الحمقى والمغفلين **


  الباب الخامس عشر في ذكر المغفلين من المؤذنين

عن أبي بكر النقاش قال‏:‏ حدثنا أن أعرابياً سمع مؤذناً كان يقول‏:‏ أشهد أن محمداً رسول الله بالنصب فقال‏:‏ ويحك فعل ماذا وعن محمد بن خلف قال‏:‏ قيل لمؤذن ما يسمع أذانك فلو رفعت صوتك فقال‏:‏ إني لأسمع صوتي من ميل‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ رأيت مؤذناً يؤذن ثم عدا فقلت‏:‏ إلى أين فقال‏:‏ أن أحب أعرف إلى أين يبلغ صوتي‏.‏

وأذن مؤذن فقيل له‏:‏ ما أحسن صوتك فقال‏:‏ إن أمي كانت تطعمني البلادة وأنا صغير‏.‏

يريد البلادر‏.‏

وعن شريح بن يزيد قال‏:‏ كان سعيد بن سنان المهدي مؤذناً بجامع حمص وكان شيخاً صالحاً يسحر الناس في رمضان فيقول في تسحيره‏:‏ استحثو قديراتكم عجلوا في أكلكم قبل أن أأذن فيسخم الله وجوهكم وتحردوا‏.‏

  الباب السادس عشر يحفظ مكان الإمام حتى يجيء

عن أبي العيناء قال‏:‏ كان المدني في الصف من وراء الإمام فذكر الإمام شيئاً فقطع الصلاة وقدم المدني ليؤمهم فوقف طويلاً فلما أعيا الناس سبحوا له وهو لا يتحرك فنحوه وقدموا غيره فعاتبوه فقال‏:‏ ظننته يقول لي‏:‏ احفظ مكاني حتى أجيء‏.‏

كلهم أعداء لا نبالي بهم‏:‏ وعن محمد بن خلف قال‏:‏ مر رجل بإمام يصلي بقوم فقرأ‏:‏ آلم غلبت الترك فلما فرغ قلت‏:‏ يا هذا إنما هو ‏"‏ غلبت الروم ‏"‏ فقال‏:‏ كلهم أعداء لا نبالي من ذكر منهم‏.‏

الأعمش يصلي خلف إمام ثقيل‏:‏ وعن مندل بن علي قال‏:‏ خرج الأعمش ذات يوم من منزله بسحر فمر بمسجد بني أسد وقد أقام المؤذن الصلاة فدخل يصلي فافتتح الإمام الركعة الأولى بالبقرة ثم في الركعة الثانية آل عمران فلما انصرف قال له الأعمش‏:‏ أما تتقي الله أما سمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من أم الناس فليخفف فإن خلفه الكبير والضعيف وذا الحاجة ‏"‏‏.‏

فقال الإمام قال الله عز وجل‏:‏ ‏"‏ وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين ‏"‏‏.‏

فقال الأعمش‏:‏ أنا رسول الخاشعين إليك بأنك تصحيح الخطأ بالرفس‏:‏ وعن المدائني قال‏:‏ قرأ إمام ولا الظالين بالظاء المعجمة فرفسه رجل من خلفه فقال الإمام‏:‏ آه ضهري فقال له رجل‏:‏ يا كذا وكذا خذ الضاد من ضهرك واجعلها في الظالين وأنت في عافية وكان الراد عليه طويل اللحية‏.‏

لا تطل في صلاتك أيها الإمام‏:‏ قال الجاحظ‏:‏ أخبرني أبو العنبس قال‏:‏ كان رجل طويل اللحية أحمق جارنا وكان أقام بمسجد المحلة يعمره ويؤذن فيه ويصلي وكان يعتمد السور الطوال ويصلي بها فصلى ليلة بهم العشاء فطول فضجوا منه وقالوا‏:‏ اعتزل مسجدنا حتى نقيم غيرك فإنك تطول في صلاتك وخلفك الضعيف وذو الحاجة فقال‏:‏ لا أطول بعد ذلك فتركوه فلما كان من الغد أقام وتقدم فكبر وقرأ الحمد ثم فكر طويلاً وصاح فيهم‏:‏ إيش تقولون في عبس فلم يكلمه أحد إلا شيخ أطول لحية منه وأقل عقلاً فإنه قال‏:‏ كيسة مر فيها‏.‏

إمام لا يحسب‏:‏ وقرأ إمام في صلاته وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه خمسين ليلة أطال الإمام فهرب المصلون‏:‏ وتقدم إمام فصلى فلما قرأ الحمد افتتح بسورة يوسف فانصرف القوم وتركوه فلما أحس بانصرافهم قال‏:‏ سبحان الله‏!‏ ‏"‏ قل هو الله أحد ‏"‏‏.‏

فرجعوا فصلوا معه‏.‏

ارتج على الإمام فظل يردد‏:‏ وقرأ إمام في صلاته‏:‏ ‏"‏ إذا الشمس كورت ‏"‏ فلما بلغ قوله‏:‏ ‏"‏ فأين تذهبون ‏"‏ ارتج عيه وجعل يردد حتى كادت تطلع الشمس وكان خلفه رجل معه جراب فضرب به رأس الإمام وقال‏:‏ أما أنا فأذهب وهؤلاء لا أدري إلى أين يذهبون‏.‏

  الباب السابع عشر في ذكر المغفلين من الأعراب

الأعرابي والخياط‏:‏ عن أبي عثمان المازني أنه قال‏:‏ قدم أعرابي على بعض أقاربه بالبصرة فدفعوا له ثوباً ليقطع منه قميصاً فدفع الثوب إلى الخياط فقدر عليه ثم خرق منه قال‏:‏ لم خرقت ثوبي قال‏:‏ لا يجوز خياطته إلا بتخريقه وكان مع الأعرابي هراوة من أرزن فشج بها الخياط فرمى بالثوب وهرب فتبعه الأعرابي وأنشد يقول‏:‏ الكامل‏:‏ ما إن رأيت ولا سمعت بمثله فيما مضى من سالف الأحقاب من فعل علج جئته ليخيط لي ثوباً فخرقه كفعل مصاب فعلوته بهراوةٍ كانت معي فسعى وأدبر هارباً للباب أيشق ثوبي ثم يقعد آمناً كلا ومنزل سورة الأحزاب الكريم لا يرجع في هبته‏:‏ وعن الأصمعي أنه قال‏:‏ مررت بأعرابي يصلي بالناس فصليت معه فقرأ والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها كلمة بلغت منتهاها لن يدخل النار ولن يراها رجل نهى النفس عن هواها فقلت له‏:‏ ليس هذا من كتاب الله قال‏:‏ فعلمني فعلمته الفاتحة والإخلاص ثم مررت بعد أيام فإذا هو يقرأ الفاتحة وحدها فقلت له‏:‏ ما للسورة الأخرى قال‏:‏ وهبتها لابن عم لي والكريم لا يرجع في هبته‏.‏

أعرابي يؤم في البادية‏:‏ وعنه أنه قال‏:‏ كنت في البادية فإذا بأعرابي تقدم فقال‏:‏ الله أكبر سبح اسم ربك الأعلى الذي أخرج المرعى أخرج منها تيساً أحوى ينزو على المعزى ثم قام في الثانية فقال‏:‏ وثب الذئب على الشاة الوسطى وسوف يأخذها تارة أخرى‏.‏

أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ألا بلى ألا بلى فلما فرغ قال‏:‏ اللهم لك عفرت جبيني وإليك مددت يميني فانظر ماذا تعطيني‏.‏

أعرابي يؤدب أمه‏:‏ وعنه قال‏:‏ رأيت أعرابياً يضرب أمه فقلت‏:‏ يا هذا أتضرب أمك فقال‏:‏ أسكت فإني أريد أن تنشأ على أدبي‏.‏

دعاء أعرابي حول الكعبة‏:‏ وعنه أنه قال‏:‏ حج أعرابي فدخل مكة قبل الناس وتعلق بأستار الكعبة وقال‏:‏ اللهم اغفر لي قبل أن يدهمك الناس‏.‏

أصحاب النحو زنادقة‏:‏ وعن أبي الزناد قال‏:‏ جاء أعرابي إلى المدينة فجالس أهل الفقه ثم تركهم ثم جالس أصحاب النحو فسمعهم يقولون نكرة ومعرفة فقال‏:‏ يا أعداء الله يا زنادقة‏.‏

وعن العلاء بن سعيد قال‏:‏ قعد طائي وطائية في الشمس فقالت له امرأته‏:‏ والله لئن ترحل الحي غداً لأتبعن قماشهم وأصوافهم ثم لأنفشنه ولأغسلنه ولأغزلنه ثم لأبعثنه إلى بعض الأمصار فيباع وأشتري بثمنه بكراً فأرتحل عليه مع الحي إذا ترحلوا قال الوج‏:‏ أفتراك الآن تاركتني وابني بالعراء قالت‏:‏ أي والله قال‏:‏ كلا والله وما زال الكلام بينهما حتى قام يضربها فأقبلت أمها فقالت‏:‏ ما شأنكم وصرخت‏:‏ يا آل فلانة أفتضرب ابنتي على كد يديها ورزق رزقها الله فاجتمع الحي فقالوا‏:‏ ما شأنكم فأخبروهم بالخبر‏!‏‏!‏ فقالوا‏:‏ ويلكم القوم لم يرحلوا وقد تعجلتم الخصومة‏.‏

طلق امرأته لوجه الله‏:‏ وعن الأصمعي قال‏:‏ خرج قوم من قريش إلى أرضهم وخرج معهم رجل من بني غفار فأصابهم ريح عاصف يئسوا معها من الحياة ثم سلموا فأعتق كل رجل منهم مملوكاً فقال ذلك الأعرابي‏:‏ اللهم لا مملوك لي أعتقه ولكن امرأتي طالق لوجهك ثلاثاً‏.‏

أعرابي يعمل في معمل للذهب‏:‏ وكان رجل من الأعراب يعمل في معمل للذهب فلم يصب شيئاً فأنشأ يقول‏:‏ الرجز‏:‏ صفراء تجلو كسل النعاس فضربته عقرب صفراء سهرته طول الليلة وجعل يقول‏:‏ يا رب الذنب لي إذ لم أبين لك ما أريده اللهم لك الحمد والشكر فقيل له‏:‏ ما تصنع أما سمعت قول الله تعالى ‏"‏ لئن شكرتم لأزيدنكم ‏"‏‏:‏ فوثب جزعاً وقال‏:‏ لا شكراً لا شكراً‏.‏

الأعرابي وقراءة القرآن‏:‏ وسئل أعرابي هل تقرأ من القرآن شيئاً فقرأ أم الكتاب والإخلاص فأجاد فسئل هل تقرأ شيئاً غيرهما فقال‏:‏ أما شيئاً أرضاه لك فلا‏.‏

يعتذر من صلاته قاعداً‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ ورأيت أعرابياً يصلي في الشتاء قاعداً ويقول‏:‏ الطويل‏:‏ إليك اعتذاري من صلاتي قاعداً على غير طهرٍ مومياً نحو قبلتي فما لي ببرد الماء يا رب طاقةٌ ورجلاي لا تقوى على طي ركبتي ولكنني أقضيه يا رب جاهداً وأقضيكه إن عشت في وجه صيفتي وإن أنا لم أفعل فأنت محكم إلهي في صفعي وفي نتف لحيتي وعض ثعلب أعرابياً فأتى راقياً فقال الراقي‏:‏ ما عضك فقال‏:‏ كلب واستحى أن يقول ثعلب فلما ابتدأ بالرقية قال‏:‏ وأخلط بها شيئاً من رقية الثعالب‏.‏

وقال بعض الأعراب‏:‏ لنا تمر تضع التمرة في فيك فتبلغ حلاوتها إلى كعبك‏.‏

أرسل غيره وأرحنا‏:‏ وقرأ إمام في صلاته‏:‏ ‏"‏ إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه ‏"‏ فأرتج عليه وكان خلفه أعرابي فقال‏:‏ لم يذهب نوح فأرسل غيره وأرحنا‏.‏

أكره أن أثقل على ربي‏:‏ وكان أعرابي يقول‏:‏ اللهم اغفر لي وحدي فقيل له‏:‏ لو عممت بدعائك فإن الله واسع المغفرة فقال‏:‏ أكره أن أثقل على ربي‏.‏

أدعو لأمي لا لأبي‏:‏ دعا أعرابي بمكة لأمه فقيل له‏:‏ ما بال أبيك قال‏:‏ ذاك رجل يحتال لنفسه‏.‏

مناجاة أعرابي عند الكعبة‏:‏ وقيل إن محمد بن علي عليه السلام رأى في الطواف أعرابياً عليه ثياب رثة وهو شاخص نحو الكعبة لا يصنع شيئاً ثم دنا من الأستار فتعلق بها ورفع رأسه إلى السماء وأنشأ يقول‏:‏ الطويل‏:‏ أما تستحي مني وقد قمت شاخصاً أناجيك يا ربي وأنت عليم فإن تكسني يا رب خفاً وفروة أصلي صلاتي دائماً وأصوم وإن تكن الأخرى على حال ما أرى فمن ذا على ترك الصلاة يلوم أترزق أولاد العلوج وقد طغوا وتترك شيخاً والداه تميم فدعا به وخلع عليه فروة وعمامة وأعطاه عشرة آلاف درهم وحمله على فرس فلما كان العام الثاني جاء الحج وعليه كسوة جميلة وحال مستقيم فقال له‏:‏ أعرابي رأيتك في العام الماضي بأسوأ حالٍ وأراك الآن ذا بزة حسنة وجمال فقال‏:‏ إني عاتبت كريماً فأغنيت‏.‏

مغفل يعاتب ربه‏:‏ وكان لبعض المغفلين حمار فمرض الحمار فنذر إن عوفي حماره صام عشرة أيام فعوفي الحمار فصام فلما تمت مات الحمار فقال‏:‏ يا ربت تلهيت بي‏!‏ ولكن رمضان إلى هنا يجيء والله هرب الأعرابي من الصلاة‏:‏ وصلى بعض الأعراب خلف بعض الأئمة في الصف الأول وكان اسم الأعرابي مجرماً فقرأ الإمام‏:‏ والمرسلات‏.‏

‏.‏

إلى قوله‏:‏ ‏"‏ ألم نهلك الأولين ‏"‏ فتأخر البدوي إلى الصف الآخر فقال‏:‏ ‏"‏ ثم نتبعهم الآخرين ‏"‏ فرجع إلى الصف الأوسط فقال‏:‏ ‏"‏ كذلك نفعل بالمجرمين ‏"‏ فولى هارباً وهو يقول‏:‏ ما أرى المطلوب غيري‏.‏

أعرابي يرى سورة الفيل من الطوال‏:‏ وصلى أعرابي خلف إمام صلاة الغداة فقرأ الإمام سورة البقرة وكان الأعرابي مستعجلاً ففاته مقصوده فلما كان من الغد بكر إلى المسجد فابتدأ الإمام بسورة الفيل فقطع الأعرابي الصلاة وولى وهو يقول‏:‏ أمس قرأت البقرة فلم تفرغ إلى نصف النهار واليوم تقرأ الفيل ما أظنك تفرغ منها إلى نصف الليل‏.‏

أعرابي صالح ومغفل‏:‏ وكان أعرابي يصلي فأخذ قوم يمدحونه ويصفونه بالصلاح فقطع صلاته وقال‏:‏ مع هذا إني صائم‏!‏ تذاكر قوم قيام الليل وعندهم أعرابي فقالوا له‏:‏ أتقوم بالليل قال‏:‏ أي والله قال‏:‏ فما تصنع قال‏:‏ أبوك وأرجع أنام‏.‏

يحتفظ بالحجر المعبود في الجاهلية‏:‏ وقال إسحاق الموصلي‏:‏ تذاكر قوم من نزار واليمن أصنام الجاهلية فقال رجل لهم من الأزد‏:‏ عندي الحجر الذي كان قومنا يعبدونه قالوا‏:‏ وما ترجو به قال‏:‏ لا أدري ما يكون‏.‏

أفضل الميتات‏:‏ وروى أبو عمر الزاهد أن بعض الأعراب قال‏:‏ اللهم أمتني ميتة أبي‏!‏ قالوا‏:‏ وكيف مات أبوك قال‏:‏ أكل بذجاً وشرب مشعلاً ونام في الشمس فلقي الله وهو شبعان ريان دفئان‏.‏

البذج الحمل والمشعل الزق‏.‏

  الباب الثامن عشر المغفلين من المتحذلقين فيمن قصد الفصاحة والإعراب في كلامه من المغفلين

عن أبي زيد الأنصاري قال‏:‏ كنت ببغداد فأردت الإنحدار إلى البصرة فقلت لابن أخي‏:‏ إكتر لنا فجعل ينادي‏:‏ يا معشر الملاحون فقلت‏:‏ ويحك ما تقول جعلت فداك فقال‏:‏ أنا مولع بالنصب‏.‏

كلام لم يخلق الله له أهلاً‏:‏ عن أبي طاهر قال‏:‏ دخل أبو صفوان الحمام وفيه رجل مع ابنه فأراد أن يعرف خالد ما عنده من البيان فقال‏:‏ يا بني ابدأ بيداك ورجلاك ثم التفت إلى خالد فقال‏:‏ يا أبا صفوان هذا كلام قد ذهب أهله فقال‏:‏ هذا كلام لم يخلق الله له أهلاً قط‏.‏

نصيحة نحوي لمحتضر‏:‏ وعن أبي العيناء عن العطوي الشاعر أنه دخل إلى رجل عندنا بالبصرة وهو يجود بنفسه فقال له‏:‏ يا فلان قل‏:‏ لا إله إلا الله وإن شئت فقل‏:‏ لا إله إلا الله والأولى أحب إلى سيبويه ثم اتبع أبو العيناء ذاك بأن قال‏:‏ سمعتم ابن الفاعلة يعرض أقوال النحويين على رجل يموت‏.‏

كلما كلمتك خالفتني‏:‏ وعن عبد الله بن صالح العجلي قال‏:‏ أخبرني أبو زيد النحوي قال‏:‏ قال رجل للحسن‏:‏ ما تقول في رجل ترك أبيه وأخيه فقال الحسن‏:‏ ترك أباه وأخاه‏.‏

فقال الرجل‏:‏ فما لأباه وأخاه فقال الحسن‏:‏ فما لأبيه وأخيه فقال الرجل للحسن‏:‏ أراني كلما كلمتك خالفتني‏.‏

في التعزية قولان‏:‏ وعن ابن أخي شعيب بن حرب قال‏:‏ سمعت ابن أخي عمير الكاتب يقول وهو يعزي قوماً‏:‏ آجركم الله وإن شئتم أجركم الله كلاهما سماعي من الفراء‏.‏

الكسائي يحسن اللغة والأدب‏:‏ وعن سلمة قال‏:‏ كان عند المهدي مؤدب يؤدب الرشيد فدعاه يوماً المهدي وهو يستاك فقال‏:‏ كيف تأمر من السواك قال‏:‏ استك يا أمير المؤمنين فقال المهدي‏:‏ إنا لله ثم قال‏:‏ التمسوا من هو أفهم من هذا قالوا‏:‏ رجل يقال له علي بن حمزة الكسائي من أهل الكوفة قدم من البادية قريباً فلما قدم على الرشيد قال له‏:‏ يا علي قال‏:‏ لبيك يا أمير المؤمنين قال‏:‏ كيف تأمر من السواك قال‏:‏ سك يا أمير المؤمنين قال‏:‏ أحسنت وأصبت‏.‏

وأمر له بعشرة آلاف درهم‏.‏

لم يفهم الخليفة قصد الشيخ‏:‏ وقد روينا عن الوليد أنه قال لرجل‏:‏ ما شأنك فقال الرجل‏:‏ شيخ نايفي فقال عمر بن عبد العزيز‏:‏ إن أمير المؤمنين يقول لك ما شأنك فقال‏:‏ ختني ظلمني فقال الوليد‏:‏ ومن ختنك فنكس الأعرابي رأسه وقال‏.‏

ما سؤال أمير المؤمنين عن هذا فقال عمر‏:‏ إنما أراد أمير المؤمنين من ختنك فقال‏:‏ هذا وأشار إلى رجل معه‏.‏

أمير كثير اللحن‏:‏ وعن أبي معمر عن أبيه قال‏:‏ كان أمير على الكوفة من بني هاشم وكان لحاناً فاشترى دوراً من جيرانه ليزيدها في داره فاجتمع إليه جيرانه فقالوا‏:‏ أصلحك الله هذا الشتاء قد هجم علينا فأمهلنا إن رأيت حتي يقبل الصيف ونتحول قال‏:‏ لسنا بخارجيكم يريد بمخرجيكم‏.‏

الباء يجب أن تجر دائماً‏:‏ وعن ميمون بن هرون قال‏:‏ قال رجل لصديق له‏:‏ ما فعل فلان بحماره قال‏:‏ باعه قال‏:‏ قل باعه قال‏:‏ فلم قلت بحماره قال‏:‏ الباء تجر قال‏:‏ فمن جعل باءك تجر وبائي ترفع‏.‏

من أفسد بيان الصبي‏:‏ وعن سعيد بن أحمد قال‏:‏ دعاني محمد بن أحمد بن الخصيب يوماً فأقمنا عنده فقال لابن له صغير‏:‏ يا عبد الله اخدم عماك فقال‏:‏ اخدم عمي قالوا‏:‏ يقول لك اخدم عمك وتلحن فقلت وعن أبي عبد الله أحمد بن فتن قال‏:‏ دعاني إنسان من جيرانا فوجه إلى البقال‏:‏ وجه إلي جزراً بدانقان فقلت‏:‏ سبحان الله ما هذا قال‏:‏ أردت أن يهابني‏.‏

النحو أشد عليه من موت أبيه‏:‏ وقدم على ابن علقمة النحوي ابن أخ له فقال له‏:‏ ما فعل أبوك قال‏:‏ مات‏:‏ قال‏:‏ وما فعلت علته قال‏:‏ ورمت قدميه قال‏:‏ قل قدماه قال‏:‏ فارتفع الورم إلى ركبتاه قال‏:‏ قل ركبتيه فقال‏:‏ دعني يا عم فما موت أبي بأشد علي من نحوك هذا‏.‏

النحوي وبائع الباذنجان‏:‏ ووقف نحوي على رجل فقال‏:‏ كم لي من هذا الباذنجان بقيراط فقال‏:‏ خمسين فقال النحوي‏:‏ قل خمسون ثم قال‏:‏ لي أكثر فقال‏:‏ ستين قال‏:‏ قل‏:‏ ستون ثم قال‏:‏ لي أكثر فقال‏:‏ إنما تدور على مئون وليس لك مئون‏.‏

لا لي لو ما حضر‏:‏ ولقي رجلاً من أهل الأدب وأراد أن يسأله عن أخيه وخاف أن يلحن فقال‏:‏ أخاك أخوك أخيك ها هنا فقال الرجل‏:‏ لا لي لو ما هو حضر‏.‏

وسمعت شيخنا أبا بكر محمد بن عبد الباقي البزار يقول‏:‏ قال رجل لرجل‏:‏ قد عرفت النحو إلا إني لا أعرف هذا الذي يقولون‏:‏ أبو فلان وأبا فلان وأبي فلان‏.‏

فقال له‏:‏ هذا أسهل الأشياء في النحو إنما يقولون‏:‏ أبا فلان لمن عظم قدره وأبو فلان للمتوسطين وأبي فلان للرذلة‏.‏

إذ اجتمع لحانان‏:‏ وعن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال‏:‏ كان عندنا رجل لحان فلقي رجلاً مثله فقال‏:‏ من أين جئت فقال‏:‏ من عند أهلونا فتعجب منه وحسده وقال‏:‏ أنا أعلم من أين أخذتها‏:‏ أخذتها من قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ شغلتنا أموالنا وأهلونا ‏"‏‏.‏

وعن أبي القاسم الحسن قال‏:‏ كتب بعض الناس كتبت من طيس يريد طوس فقيل له في ذلك فقال‏:‏ لأن من تخفض ما بعدها فقيل‏:‏ إنما تخفض حرفاً واحداً لا بلداً له خمسمائة قرية‏.‏

يزين الرجال علمهم لا مظهرهم‏:‏ قال أبو الفضل بن المهدي‏:‏ قال لي أبو محمد الأزدي‏:‏ واظب على العلم فإنه يزين الرجال كنت يوماً في حلقة أبي سعيد يعني السيرافي فجاء ابن عبد الملك خطيب جامع المنصور وعليه السواد والطويلة والسيف والمنطقة فقام الناس إليه وأجلوه فلما جلس قال‏:‏ لقد عرفت قطعة من هذا العلم وأريد أن أستزيد منه فأيهما خير سيبويه أو الفصيح فضحك الشيخ ومن في حلقته ثم قال‏:‏ يا سيدنا محبرة اسم أوفعل أو حرف فسكت ثم قال‏:‏ حرف‏.‏

فلما قام لم يقم له أحد‏.‏

فصل في عدم مخاطبة العوام بالإعراب‏:‏ وقد تكلم قوم من النحويين بالإعراب مع العوام فكان ذلك من جنس التغفيل وإن كان صواباً لا ينبغي أن يكلم كل قوم إلا بما يفهمون‏.‏

لا يخاطب العامة بالنحو‏:‏ قال ابن عقيل‏:‏ كان شيخنا أبو القاسم بن برهان الأسدي يقول لأصحابه‏:‏ إياكم والنحو بين العامة فإنه كاللحن بين الخاصة‏.‏

قال ابن عقيل‏:‏ وتعليل هذا أن التحقيق بين المحرفين ضائع وتضييع العلم لا يحل ولهذا روي‏:‏ حدثوا الناس بما يعقلون أتحبون أن يكذب على الله ورسوله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يا أبا عمير ما فعل النغير ‏"‏ ولعب مع الحسن والحسين وإنما نسب المعلمون للحماقة لمعاملتهم الصبيان بالتحقيق‏.‏

قال الأصمعي‏:‏ كان يحيى بن معمر قاضياً بخراسان فتقدم إليه رجل وامرأته فقال يحيى للرجل‏:‏ رأيت إن سألتك حق شكرها وشبرك إن شاءت تطلها وتضهلها قال‏:‏ يقول الرجل لامرأته والله ما أدري ما يقول قومي حتى ننصرف‏.‏

الشكر‏:‏ الفرج والشبر‏:‏ النكاح وتطلها‏:‏ تبطل حقها وتضهلها‏:‏ تعطيها حقها قليلاً قليلاً‏.‏

وكذلك قال عيسى بن عمر ليوسف بن عمر وهو يضربه بالسياط‏:‏ والله إن كانت إلا أثياباً في اسيفاط قبضها عشاروك‏.‏

قال ابن قتيبة‏:‏ ومثل هذا يستقبح والأدب غض فكيف اليوم نحوي في كنيف‏:‏ وقع نحوي في كنيف فصاح به الكناس‏:‏ أنت في الحياة‏.‏

قال‏:‏ ابغ لي سلماً وثيقاً وامسكه امساكاً رفيقاً ولا بأس علي فقال له‏:‏ لو كنت تركت الفضول يوماً لتركته الساعة وأنت في الخرا إلى الحلق‏.‏

نحوي عند بائع بطيخ‏:‏ وقف نحوي على صاحب بطيخ فقال‏:‏ بكم تلك وذانك الفاردة فنظر يميناً وشمالاً ثم قال‏:‏ اعذرني فما عندي شيء يصلح للصفع‏.‏

وقف نحوي على زجاج فقال‏:‏ بكم هاتان القنينتان اللتان فيهما نكتتان خضراوتان فقال الزجاج‏:‏ ‏"‏ مدهامتان فبأي آلاء ربكما تكذبان ‏"‏‏.‏

نحوي عند قصاب‏:‏ وعن أبي زيد النحوي قال‏:‏ وقفت على قصاب وعنده بطون فقلت‏:‏ بكم البطنان فقال‏:‏ بدرهمان يا ثقيلان‏.‏

وعن أحمد بن محمد الجوهري قال‏:‏ سمعت أبا زيد النحوي قال‏:‏ وقفت على قصاب وقد أخرج بطنين سمينين فعلقهما فقلت‏:‏ بكم البطنان فقال‏:‏ بمصفعان يا مضرطان‏.‏

ففرت لئلا يسمع الناس فيضحكون‏.‏

نحوي عند نخاس‏:‏ قال‏:‏ حدثنا أبو حمزة المؤدب قال‏:‏ حدثنا أحمد بن محمد القزويني وكان شاعراً أنه دخل سوق النخاسين بالكوفة فقعد إلى نخاس فقال‏:‏ يا نخاس اطلب لي حماراً لا بالصغير المحتقر ولا بالكبير المشتهر إن أقللت علفه صبر وإن أكثرت علفه شكر لا يدخل تحت البواري ولا يزاحم بي السواري إذا خلا في الطريق تدفق وإذا أكثر الزحام ترفق فقال له النخاس بعد أن حدثنا بعض أصحابنا قال‏:‏ قلت لبقال‏:‏ عندك بسر فرساً قال‏:‏ عندي قرعة‏.‏

نحوي عند طبيب‏:‏ وعن إسحاق بن محمد الكوفي قال‏:‏ جاء أبو علقمة إلى عمر الطبيب فقال‏:‏ أكلت دعلجاً فأصابني في بطني سجح فقال‏:‏ خذ غلوص وخلوص فقال أبو علقمة‏:‏ وما هذا قال‏:‏ وما الذي قلت أنت كلمني بما أفهم قال‏:‏ أكلت زبداً في سكرجة فأصابني نفخ في بطني فقال‏:‏ خذ صعتراً‏.‏

ودخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب فقال‏:‏ امتع الله بك إني أكلت من لحوم هذه الجوازم فطسئت طسأة فأصابني وجع من الوالبة إلى ذات العنق فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الحلب والشراسيف فهل عندك دواء قال‏:‏ نعم خذ حرقفاً وسلقفاً وسرقفاً فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه فقال أبو علقمة‏:‏ لم أفهم عنك هذا فقال‏:‏ أفهمتك كما أفهمتني‏.‏

نحوي عند جرار‏:‏ قال‏:‏ حدثنا أبو عثمان عن أبي حمزة المؤدب قال‏:‏ دخل أبو علقمة النحوي سوق الجرارين بالكوفة فوقف على جرار فقال أجد عندك جرة لا فقداء ولا دباء ولا مطربلة الجانب ولتكن نجبة خضراء نضراء قد خف محملها وأتعبت صانعها قد مستها النار بألسنتها أن نقرتها طنت وإن أصابتها الريح رنت فرفع الجرار رأسه إليه ثم قال له‏:‏ النطس بكور الجروان أحر وجكى والدقس باني والطبر لري شك لك بك ثم صاح الجرار‏:‏ يا غلام شرج ثم درب وإلى الوالي فقرب يا أيها الناس من بلي بمثل ما نحن فيه وأنشد لثعلب‏.‏

السريع‏:‏ إن شئت أن تصبح بين الورى ما بين شتام ومغتاب فكن عبوساً حين تلقاهم وكلم الناس بإعراب

  الباب التاسع عشر في ذكر من قال شعراً من المغفلين

أنشد بعض الحمقى‏:‏ عن المبرد قال‏:‏ قال الجاحظ‏:‏ أنشدني بعض الحمقى‏:‏ مجزوء الرمل‏:‏ إن داء الحب سقمٌ ليس يهنيه القرار ونجا من كان لا يع شق من تلك المخازي فقلت‏:‏ إن القافية الأولى راء والثاني زاي فقال‏:‏ لا تنقط شيئاً فقلت‏:‏ إن الأولى مرفوعة والثانية مكسورة فقال‏:‏ أنا أقول تنقط وهو يشكل‏.‏

ألجاته ضرورة الشعر إلى الطلاق‏:‏ وحكى بعضهم‏:‏ قال‏:‏ اجتمعنا ثلاثة نفر من الشعراء في قرية تسمى طيهاثا فشربنا يومنا ثم قلنا‏:‏ ليقل كل واحد بيت شعر في وصف يومنا فقلت‏:‏ نلنا لذيذ العيش في طيهاثا فقال الثاني‏:‏ لما احتثثنا القدح احتثاثا فارتج على الثالث فقال‏:‏ امرأته طالق ثلاثا ثم قعد يبكي على امرأته ونحن نضحك عليه‏.‏

الأمير كسنور وأعداؤه كالفئران‏:‏ عن أبي الحسن علي بن منصور الحلبي قال‏:‏ كنت أحضر مجلس سيف الدولة فحضرته وقد انصرف من غزو عدو له ظفر به فدخل الشعراء ليهنئوه فدخل رجل وأنشد‏:‏ الطويل‏:‏ وكانوا كفأرٍ وسوسوا خلف حائطٍ وكنت كسنورٍ عليهم تسلقا فأمر سيف الدولة بإخراجه فقام على الباب يبكي فأخبر سيف الدولة ببكائه فأمر برده فقال‏:‏ ما لك تبكي فقال‏:‏ قصدت مولانا بكل ما أقدر عليه فلما خاب أملي وقابلني بالهوان ذلت نفسي فبكيت فقال له سيف الدولة‏:‏ ويلك من يكون له مثل هذا النثر يكون له ذلك النظم‏!‏ فكم أملت قال‏:‏ خمس مائة درهم فأمر له بألف درهم‏.‏

شعر تستحق أم قائله الطلاق‏:‏ عن الصولي قال لمحمد بن الحسن ابن فقال له‏:‏ إني قد قلت شعراً قال‏:‏ انشدنيه قال‏:‏ فإن أجدت تهب لي جاريةً أو غلاماً قال‏:‏ أجمعهما لك‏.‏

فأنشده‏:‏ مجزوء الكامل‏:‏ إن الديار طيفا هيجن حزناً قد عفا أبكينني لشقاوتي وجعلن رأسي كالقفا فقال‏:‏ يا بني والله ما تستاهل جاريةً ولا غلاماً ولكن أمك مني طالق ثلاثاً إذا ولدت مثلك‏.‏

منا الوزير ومنا الأمير ومنا أنا‏:‏ قال أبو سجادة الفقيه في شعر له‏:‏ المتقارب‏:‏ ومنا الوزير ومنا الأمير ومنا المشير ومنا أنا يقع التغفيل من فطناء الشعراء‏:‏ وقد وقع شيء يشبه التغفيل من فطناء الشعراء قال‏:‏ فإن البحتري دخل على بعض من يمدحه ومدح رجل معن بن زائدة فقال‏:‏ الطويل‏:‏ أتيتك إذا لم يبق غيرك جابر ولا واهب يعطي اللها والرغائبا فقال معن‏:‏ ليس هذا مدحاً وهلا قلت كما قال أخو بني تيم لمالك بن مسمع‏:‏ الخفيف‏:‏ قلدته عرى الأمور نزار قبل أن تملك السراة النحورا

  الباب العشرون في ذكر المغفلين من القصاص

القصاص سيفويه‏:‏ فمنهم سيفويه القاص كان يضرب به المثل في التغفيل‏:‏ عن محمد بن العباس بن حيويه قال‏:‏ قيل لسيفويه قد أدركت الناس فلم لم تحدث قال‏:‏ اكتبوا حدثنا شريك عن مغيرة عن إبراهيم بن عبد الله مثله سواء قالوا له‏:‏ مثل إيش قال‏:‏ كذا سمعنا وكذا نحدث‏.‏

عن ابن خلف قال‏:‏ جاء يوماً رجل من عرس فسأله سيفويه‏:‏ ما أكل فأقبل يصف له فقال‏:‏ تمنيات قصاص‏:‏ وقال ابن خلف‏:‏ قال عبد العزيز القاص‏:‏ ليت أن الله لم يكن خلقني وأني الساعة أعور فحكيت ذلك لابن غياث فقال‏:‏ بئس ما قال ووددت والله الذي لا إله إلا هو أن الله لم يكن خلقني وإني الساعة أعمى مقطوع اليدين والرجلين‏.‏

من غفلات سيفويه‏:‏ وروى أبو العباس بن مشروح قال‏:‏ كان سيفويه اشترى لمنزله دقيقاً بالغداة وراح عشاء يطلب الطعام فقالوا‏:‏ لم نخبز لم يكن عندنا حطباً قال‏:‏ كنتم تخبزونه فطيراً‏.‏

وحكى أبو منصور الثعالبي‏:‏ أن رجلاً سأل سيفويه عن الغسلين في كتاب الله تعالى فقال‏:‏ على الخبير سقطت سألت عنه شيخاً فقيهاً من أهل الحجاز فما كان عنده قليل ولا كثير‏.‏

وقف سيفويه راكباً على حمار في المقابر فنفر حماره عند قبر منها فقال‏:‏ ينبغي أن يكون صاحب هذا القبر بيطاراً‏.‏

وقرأ سيفويه ثم في سلسلة ذرعها تسعون ذراعاً فقيل له قد زدت عشرين فقال‏:‏ هذه خلقت لبغاء ووصيف فأما أنتم فيكفيكم شريط بدانق ونصف‏.‏

وقرأ قارىء بين يديه ‏"‏ كأنما أغشيت وقرأ القارىء‏:‏ ‏"‏ كأنهن الياقوت والمرجان ‏"‏ فقال‏:‏ هؤلاء خلاف نسائكم الفجار‏.‏

قيل لسيفويه إن اشتهى أهل الجنة عصيدة كيف يعملون قال‏:‏ يبعث الله لهم أنها دبس ودقيق وأرز‏.‏

ويقال‏:‏ اعملوا وكلوا واعذرونا‏.‏

القصاص أبو أحمد التمار‏:‏ وعن محمد بن خلف قال أبو أحمد التمار في قصصه‏:‏ لقد عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الجار حتى قال فيه قولاً أستحي والله أن أذكره‏.‏

يروي العلم ولا يعمل به‏:‏ قال ابن خلف‏:‏ قص قاص بالمدينة فقال‏:‏ رأى أبو هريرة على ابنته خاتم ذهب فقال‏:‏ يا بنية لا تتخمي بالذهب فإنه لهب فبينا هو يحدثهم إذ بدت كفه فإذا فيها خاتم ذهب فقالوا له‏:‏ تنهانا عن لبس الذهب وتلبسه فقال‏:‏ لم أكن ابنة أبي هريرة‏.‏

يفسر القرآن برأيه‏:‏ عن محمد بن الجهم أنه قال‏:‏ سمعت الفراء يقول‏:‏ كان عندنا رجل يفسر القرآن برأيه فقيل له‏:‏ ‏"‏ أرأيت الذي يكذب بالدين ‏"‏ فقال‏:‏ رجل سوء الله فقيل‏:‏ ‏"‏ فذلك الذي يدع اليتيم ‏"‏ فسكت اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف‏:‏ وعن عبد الرحمن بن محمد الحنفي قال‏:‏ قال أبو كعب القاص في قصصه‏:‏ كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا فقالوا له‏:‏ فإن يوسف لم يأكله الذئب قال‏:‏ فهو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف‏.‏

قال‏:‏ حكاها الجاحظ عن أبي علقمة القاص قال‏:‏ كان اسم الذئب حجوناً‏.‏

سورة الإخلاص تحتاج إلى مجلسين‏:‏ عن العلاء بن صالح قال‏:‏ كان عبد الأعلى بن عمر قاصاً فقص يوماً فلما كاد مجلسه ينقضي قال‏:‏ إن ناساً يزعمون أني لا أقرأ من القرآن شيئاً وأني لا أقرأ منه الكثير بحمد الله ثم قال‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏"‏ قل هو الله أحد ‏"‏ فارتج عليه فقال‏:‏ من أحب أن يشهد خاتمة السورة فليحضرنا إلى مجلس فلان‏.‏

غفلة الواعظ‏:‏ حكى أبو محمد التميمي أن أبا الحسن السماك الواعظ دخل عليهم يوماً وهم يتكلمون في أبابيل فقال‏:‏ في أي شيء أنتم فقالوا‏:‏ نحن في ألف أبابيل هل هو ترون أنه بلبل عليهم عيشهم‏!‏ دعاء غريب‏:‏ جاء رجل إلى قاص وهو يقرأ‏:‏ ‏"‏ يتجرعه ولا يكاد يسيغه ‏"‏ فقال‏:‏ اللهم اجعلنا ممن يتجرعه ويسيغه‏.‏

القصاص الأحمق‏:‏ قال الجاحظ‏:‏ سمعت قاصاً أحمق وهو يقص حديث موسى وفرعون وهو يقول‏:‏ لما صار فرعون في وسط البحر في الطريق اليابس فقال الله للبحر‏:‏ انطبق فما زال حتى علاه الماء فجعل فرعون يضرط مثل الجاموس نعوذ بالله من ذلك الضراط‏.‏

قال‏:‏ وسمعت قاصاً بالكوفة يقول‏:‏ والله لو أن يهودياً مات وهو يحب علياً ثم دخل النار ما ضره حرها‏.‏

كيف يقضي الأحمق على الشيطان‏:‏ قال بعض القصاص‏:‏ يا معشر الناس إن الشيطان إذا سمي على الطعام والشراب لم يقربه فكلوا خبز الأرز المالح ولا تسموا فيأكل معكم ثم اشربوا الماء وسموا حتى تقتلوه عطشاً‏.‏

القصاص أبو سالم‏:‏ كان أبو سالم القاص يقص يوماً قال‏:‏ يابن آدم يابن الزانية أما تستحي من الملك الجليل حتى تقدم على العمل القبيح وسرق باب أبي سالم القاص جاء إلى باب المسجد وقلعه قالوا‏:‏ ما تصنع قال‏:‏ اقلع هذا الباب فإن صاحبه يعلم من قلع بابي‏.‏

لا تسألوا عن أشياء‏:‏ سئل بعض الوعاظ‏:‏ لم لم تنصرف أشياء فلم يفهم ما قيل له ثم سكت ساعة فقال‏:‏ تسأل سؤال الملحدين لأن الله يقول‏:‏ ‏"‏ لا تسألوا عن أشياء ‏"‏‏.‏

دعاؤه يشمل كل شيء‏:‏ قال بعض الأشياخ‏:‏ إنه كتب في رقعة إلى بعض القصاص يسأله الدعاء لامرأة حامل فقرأ الرقعة ثم قلبها وفي ظهرها صفة دواء قد كتبه طبيب وفيه قنبيل وخشيرك وافتيمون ونحو هذا فظنها كلمات يسأل بها فدعا وجعل يقول‏:‏ يا رب قنبيل يا رب خشيرك ويا رب افتيمون إلى أن أنهى ما ذكر‏.‏

  الباب الحادي والعشرون

أبو عبد الله المزابلي‏:‏ عن علي بن المحسن التنوخي قال‏:‏ كان عندنا بجبل اللكام رجل يسمى أبو عبد الله المزابلي يدخل البلد بالليل فيتتبع المزابل فيأخذ ما يجده ويغسله ويقتاته ولا يعرف قوتاً غيره أو يتوغل في الجبل فيأكل من الثمرات المباحات وكان صالحاً مجتهداً إلا أنه كان قليل العقل وكان بأنطاكية موسى الزكوري صاحب المجون وكان له جار يغشى المزابل فجرى بين موسى الزكوري وجاره شر فشكاه إلى المزابلي فلعنه في دعائه فكان الناس يقصدونه في كل جمعة فيتكلم عليهم ويدعو فلما سمعوه يلعن ابن الزكوري جاء الناس إلى داره لقتله فهرب ونهبت داره فطلبه العامة فاستتر فلما طال استتاره قال‏:‏ إني سأحتال على المزابلي بحيلة أتخلص بها فأعينوني فقالوا له‏:‏ ما تريد قال‏:‏ أعطوني ثوباً جديداً وشيئاً من مسك وناراً وغلماناً يؤنسوني الليلة في هذا الجبل قال‏:‏ فأعطيته ذلك فلما كان نصف الليل صعد فوق الكهف الذي يأوي فيه المزابلي فبخر بالند ونفخ المسك فدخلت الرائحة إلى كهف أبي عبد الله المزابلي فلما اشتم المزابلي تلك الرائحة وسمع الصوت قال‏:‏ ما لك عافاك الله ومن أنت قال‏:‏ أنا جبرائيل أرسلني ربي فلم يشك المزابلي في صدق القول وأجهش بالبكاء والدعاء فقال‏:‏ يا جبرائيل ومن أنا حتى يرسلك الله إلي فقال‏:‏ الرحمن يقرئك السلام ويقول لك‏:‏ موسى الزكوري غداً رفيقك في الجنة‏.‏

فصعق أبو عبد الله فتركه موسى فرجع فلما كان من الغد كان يوم الجمعة أقبل المزابلي يخبر الناس برسالة جبرائيل ويقول‏:‏ تمسوا بابن الزكوري واسألوه أن يجعلني في حل واطلبوه لي فأقبل العامة إلى دار ابن الوكوري يطلبونه ويستحلونه‏.‏

ضرس الكافر مثل أحد‏:‏ عن أبي النقاش عن شيخ له قال‏:‏ كنت في جامع واسط ورجلان يحدثان في حديث جهنم فقال أحدهما‏:‏ بلغني أن الله عز وجل يعظم خلق الكافر حتى يكون ضرسه مثل أحد فقال له الآخر‏:‏ ليس هذا أمره‏.‏

وإلى جانبهما شيخ متأله كثير الصلاة فالتفت إليهما فقال‏:‏ لا تنكروا هذا إن الله على كل شيء قدير وتصديق ما كنتما فيه كتاب الله قال‏:‏ وما ذاك يا عم قال‏:‏ قوله تعالى‏:‏ فأولئك يبدل الله سنانهم خشبات فهو ما يبدل السن خشبة إلا وهو قادر على أن يجعله مثل أحد‏.‏

كيف استراح من الشك‏:‏ عن الزهري قال‏:‏ بلغني عن حجاج الشاعر أنه مر يوماً في درب وفي آخره ميزاب قال‏:‏ أصابني الزاهد المغفل‏:‏ عن أبي علي الطائي قال‏:‏ قرأ رجل عند بعض المتزهدين وكان مغفلاً‏:‏ ‏"‏ وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ‏"‏ فقال‏:‏ دعنا من آيات الفجار‏.‏

تواضع عجيب غريب‏:‏ عن محمد المخرمي قال‏:‏ كنا في مجلس فشممت رائحة أنكرتها فنظرت فإذا رجل قد وضع في شاربه عذرة فقلت له‏:‏ ما هذا قال‏:‏ تواضعاً لربي عز وجل‏.‏

التقي العاقل لا يتباهى بتقواه‏:‏ قال طاهر بن الحسين للمروزي‏:‏ منذ كم دخلت العراق قال‏:‏ منذ عشرين سنة وإني أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة قال طاهر‏:‏ سألتك عن مسألة فأجبتني عن مسألتين‏.‏

آية سببت له الخشوع والوجد‏:‏ عن أبي عثمان الجاحظ قال‏:‏ أخبرني يحيى بن جعفر قال‏:‏ كان لي جار من أهل فارس وكان بلحية ما رأيت أطول منها قط وكان طول الليل يبكي فأنبهني ذات ليلة بكاؤه ونحيبه وهو يشهق ويضرب على رأسه وصدره ويردد آية من كتاب الله تعالى فلما رأيت ما نزل به قلت لأسمعن هذه الآية التي قتلت هذا وأذهب نومي فتسمعت عليه فإذا الآية ‏"‏ يسألونك عن المحيض قل هو أذى ‏"‏ فعلمت أن طول اللحية لا يخلف‏.‏

لا أترك تسبيحاً تعلمته‏:‏ وعنه قال‏:‏ أخبرني النظام قال‏:‏ مررت بناحية باب الشام فرأيت شيخاً قاعداً على باب داره وبين يديه حصى ونوى وهو يسبح ويعد بهما ويقول‏:‏ حسبي الله حسبي الله فقلت‏:‏ يا عم ليس هذا هو التسبيح قال‏:‏ كيف هو التسبيح عندك قلت‏:‏ سبحان الله قال‏:‏ يا أحمق هذا تسبيح تعلمته بعبادان منذ ستين سنة أسبح به فاتركه لقولك يا جهل‏.‏

دعاء المغفل‏:‏ وقال‏:‏ رأيت أبا محمد السيرافي وكان طويل اللحية يدعو ربه وقد رفع يديه إلى السماء وهو يقول‏:‏ يا منقذ الموتى ومنجي الغرقى وقابل التوبات وراحم العثرات أنت تجد من ترحمه غيري وأنا لا أجد من يعذبني سواك‏.‏

دعاء الله والملائكة والناس‏:‏ قال‏:‏ رأيت أبا سعيدي البصري يدعو ربه وكان طويل اللحية أحمق وهو يقول‏:‏ يا رباه يا سيداه يا مولاه يا جبرائيل يا إسرافيل يا ميكائيل يا كعب الأحبار يا أويس القرني بحق محمد وجرجيس عليك ارخص أمتك على الدقيق‏.‏

خشوع الحمقى‏:‏ عن بشر بن عبد الوهاب قال‏:‏ كان يجلس إلى عمود في دمشق رجل جميل الهيئة فرأيته يوماً وقد سجد ويقول في سجوده‏:‏ سجد لك خضرتي وحمرتي وصفرتي وبياضي وسوادي خاشعاً ضارعاً خاضعاً ماصاً لبظر أمه ومن أنا عندك‏!‏ الزاني ابن الزانية حتى لا تغفر له النظر إلى الدنيا بعينين إسراف‏:‏ كان لأبي العتاهية تلميذ تصوف وتزهد وقير إحدى عينيه وقال‏:‏ النظر إلى الدنيا بعينين إسراف‏.‏

من كان بين محمد وآله‏:‏ قال بعضهم‏:‏ كان لي عم له سبعو سنة فسمعته يقول في دعائه‏:‏ بمن كان بين محمد وآله من النبيين والمرسلين فقلت له‏:‏ يا عم اسمعك تدعو بهذا الدعاء فمن كان بين محمد وآله من قصة متزهد لا يعرف من هم الأنبياء‏:‏ قال بعض معارفنا‏:‏ إنه حضر في بعض البلاد عند متزهد وحضر جماعة يتبركون به منهم قاضي البلاد فجرى ذكر لوط عليه السلام فقال المتزهد‏:‏ عليه لعنة الله فقيل له‏:‏ ويحك هذا نبي فقال‏:‏ ما علمت ثم التفت إلى القاضي فقال‏:‏ خذ علي التوبة مما قلت فتاب ثم أفاضوا في الحديث فجرى ذكر فرعون فقالوا له‏:‏ ما تقول فيه فقال‏:‏ أنا الآن تبت فلا أدخل بين الأنبياء‏.‏